من أجمل ماقرأت من مقالات معاصرة ، مقال كتبه الدكتور جعفر شيخ إدريس ليبين أهمية العمل بالعلم ، وإلا فما الفائدة ؟!! .. إسمحوا لى أن أنقله لحضراتكم هنا حيث قال فضيلته:
تجربة لا زلت أذكرها رغم طول العهد. كنت أيام الدراسة الجامعية منغمساً في مذاكرة موضوعات في الفلسفة الغربية؛ استعداداً للاختبار، فشعرت بعد طول صحبة لها بشيء من الضيق، فأبعدت ما كنت أقرأ منها عني جانباً وتناولت المصحف وبدأت أقرأ، فشعرت ـ كما قلت لبعض زملائي آنذاك ـ كأنَّ رأسي كان مضغوطاً ضيقاً، وأنني حين بدأت أقرأ القرآن شعرت به يتسع ويتسع، وفسَّرت ذلك لهم بأنني حين كنت مع الكتب الفلسفية كنت كأنني محبوس في نطاق ضيق، فلما بدأت أقرأ القرآن بدأ عالمي يتسع: كلام عن رب العالمين، عن ملائكته ورسله، عن الجنة والنار، عن الإيمان والعمل الصالح، عن العلاقات الإنسانية، عن العدل ومكارم الأخلاق؛ انتقال من الأرض وبحارها وأنهارها وجبالها وحيواناتها، إلى السماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وأفلاك... وهكذا.
مـاذا لو أنني اسـتمررت في ذلك الانغـماس لمـدة أشـهر أو سنين؟ إذن رُبّما كان سيحدث لي ما حكاه الكاتب الإنجليزي (ألدوس هكسلي) في كلمات حكيمة كنت قد قرأتها أيام الدراسة أيضاً. قال ما ترجمته: إن التركيز على أمر واحد غير الأمر الأعظم - يعني: الخالق سبحانه - قد يتحول إلى نوع من الوثنية. في خطاب إلى (هوفر) كتب دارْوِن: (إنه لشرٌّ لعين يصيب كل إنسان ينغمس في أي موضوع كانغماسي في موضوعي). إنه لشرٌّ؛ لأن تركيزاً كهذا على شيء واحد قد يؤدي إلى اضمحلال لكل جوانب القوى العقلية غير جانب واحد. (دارون) نفسه يقرر أنه في أواخر حياته لم يعد قادراً على أن تكون له أدنى رغبة في الشِّعر أو الفن أو الدين. من الناحية الحرفية؛ وبالنسبة لموضوع تخصصه الذي اختاره؛ فإن الإنسان قد يكون ناضجاً نضوجاً كاملاً. وأما روحياً، وأحياناً خلقياً، وبالنسبة لله، ولجيرانه فإنه لا يكاد يكون أكثر من جنين[1].
ما كان لـ (هكسلي) أن يرضى بمثل هذه الحال الدارونية وهو الرجل الذي اشتهر بسعة اهتماماته العلمية؛ فقد كان أديباً روائياً مشهـوراً، وكان مع ذلك ذا صلة وثيقة بالعلوم؛ الطبيـعي منـها والاجتـماعي، حتـى إن الأسـتـاذ (العقاد) كان يصفه بعالم الأدباء وأديب العلماء. وحين أُعلن خبر استنساخ النعجة (دولي) كان اسم (هكسلي) على كثير من الألسنة في الغرب. أتدرون لماذا؟ لأنه كان قد تنبَّأ بهذا الاستنساخ في رواية له مشهورة كتبها عام 1931م بعنوان (Brave New World عالم جديد جريء)، وقد تنبَّأ في تلك الرواية بكوارث أخرى، قال: إنه سيقود إليها تطور العلوم؛ وقانا الله شرَّها.
تلك الحال التي وصفها (هكسلي) بسبب الانغماس في تخصص واحد والانقطاع له قد يحدث شيء منها حتى لمن يختصون ببعض العلوم (الإسلامية). إن من العلوم ما هو ضروري لإثبات النصوص؛ كالعلوم المتصـلة بالسـند، ومنهـا ما هو ضروري لفهم النص؛ كعلوم اللغة العربية وعلم الأصول. وقد كان كبار علمائنا متبحِّرين فيها تبحُّر المختصين بها. لكن الواقع يدل على أن بعض الناس قد ينقطع لها وينغمس فيها انغماساً ينسيه الغاية منها حتى إنها لتكون سبباً لغفلته وقلة تقواه. وقد رأينا شيئاً كهذا يُصاب به حتى بعض المنغمسين في كتب الفقه الخالية من الاستشهاد بنصوص الكتاب والسنة التي تلين القلوب وتذكِّر بالله واليوم الآخر. ولهذا قيل: إن العلماء ثلاثة: منهم: (عالم بأمر الله ليس بعالم بالله، الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل)[2]. ومما لا شك فيه أن الإنسان قد يكون أخشى لله ـ تعالى ـ من آخر حفظ من العلم ما لم يحفظ، فخشيته دليل على أنه بلغ من العلم الحقيقي بالله ـ تعالى ـ ما لم يبلغ صاحبه الذي حفظ ما لم يحفظ.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد: (قلت لأبي: هل كان مع معروف [الكرخي] شيء من العلم؟ فقال لي: يا بني! كان معه رأس العلم: خشية الله تعالى)[3].
وقد قيل: إن من الأسباب التي دعت الإمام الغزالي إلى تأليف كتابه الشهير وتسميته بـ (إحياء علوم الدين) أنه أراد أن يعيد الحياة إلى الفقه بعد أن صار أصحابه كالحدادين والنجارين لا همَّ لهم إلا وصف الظواهر.
وعلى ذكر الغزالي نذكر أنه إذا كانت العلوم المتصلة بالدين قد تؤدي إلى مثل تلك النتائج فما بال العلوم التي لا صلة لها به، بل التي تخالفه وتدعو إلى خلاف ما يدعو إليه؟ هذه أيضاً قد تكون دراستها وكشف أباطيلها من باب الجهاد والذبِّ عن الدين ولا سيما إذا استفحل أمرها وانتشر شرها. لكن دراستها يجب أن تكون أولاً بهذا الهدف، وثانياً: بعد إعداد القوة العلمية اللازمة المناسبة لكل منها.
تفرَّغ الإمام الغزالي لدراسة الفلسفة، وعزم على أن لا يكون في علمه بها وقبل نقدها إلا كواحد من أهلها المختصين بها. وقد أجاد في نقده لكثير من جوانب تلك الفلسفة اليونانية، حتى قيل: إنه لم تقم للفلسفة قائمة بعد كتاب (تهافت الفلاسفة). لكن تلميذ الغزالي المخلص الفقيه المالكي (ابن العربي) يقول عن شيخه: إنه دخل في بطون الفلاسفة ولم يستطع أن يخرج. هذا مع أن شيئاً من هذا لم يحدث لعالم آخر اهتمَّ بالفلسفة اهتمامَ الغزالي وعرفها معرفـته وجـادل أهلها وعمره أربعة عشر عاماً كما يقول هو ـ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ عن نفسه. لماذا حدث ذلك للغزالي الرجل الذي وصفه ابن كثير بأنه كان من أذكياء العالم، وأنه لم يدخل في فنٍّ إلا بلغ فيه الغاية؟ أظن أن السبب هو ما ذكره الغزالي عن نفسه في فترة من حياته من أنه كان مُزْجَى البضاعة في الحديث؛ أقول في فترة من حياته؛ لأن الرجل تدارك هذا التقصير في أواخر عمره حتى إنه مات وعلى صدره صحيح البخاري؛ كما قيل.
العبرة التي نستفيدها من تجربة الرجلين هي أن الإنسان لا يُقْبِل على قراءة الكتب الداعية إلى مخالفة أصل الدين أو إثارة الشبهات عنه إلا وقد تسلَّح بسلاحين: سلاح المعرفة الإسلامية المناسبة للموضوع الذي يقرؤه، وسلاح العقل الناقد الذي يحمي صاحبه من أن يُقبِل على كتاب لبشر إقبالَ المعجَب المتهالِك.
نعود إلى ما بدأنا به حديثنا هذا: لماذا يتسع الأفق بالتديُّن بدين الإسلام، وأنه كلما كان التديُّن أعمق كان الأفق أرحب؟
لأن هذا الدين قائم على معرفة الإله الحق. ومعرفة صفات الله والتفكُّر فيها وفي أفعاله أمرٌ من شأنه أن يوسع أفق العارف المتفكر. كيف لا يتسع أفق إنسان يتفكر في صفات إلهٍ وسع كل شيء رحمةً وعلماً، وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم؟ إلهٌ لو أن مـا فـي الأرض مـن شجرة أقـلام والبحر يمده من بعـده سبعة أبحر ما نفدت كلماته، إلهٌ ما تسقط من ورقة إلا يعلمهــا ولا حبة فــي ظلمــات الأرض ولا رطــب ولا يابس إلا وهي عنده في كتاب مبين، إلهٌ يحصي أعمال العباد كلها؛ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، إلهٌ متصف بكل صفة من أمثال صفات العظمة والكمال هذه.
وهي صفات من شأنها أن توسع الأفق من حيث كونها صفات تحفز العالم بها إلى الإيمان بالإله المتصف بها وإلى خشيته: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٨٢].
وعلم الإنسان بما علم ولا سيما علم الحق والخير يزيده علماً ومن ثم يزيد عقله اتساعاً.
وكما أن العلم بالله ـ تعالى ـ يوسع المدارك ويحفز إلى عمل الخير، فكذلك يفعل العلم برسوله # وبالشرع الذي أنزله الله على هذا الرسول #، فهو شرع شامل لكل نواحي الحياة شمولاً يوسع دائرة اهتمامات المسلم ويحرِّره من الانحباس في دائرة ضيقة من دوائر الحياة.
ولأن العلم بالله ـ تعالى ـ وبرسوله # وبشرعه يقود بطبيعته إلى العمل، فإنك لا تجد العالم المسلم حقاً أكاديمياً منـعزلاً عـن الحـياة، وإنما تجده أبداً ساعياً لتعليم الناس بما علم من الحق، مدافعاً عن هذا الحق بلسانه بل وسنانه حين يقتضي الأمر ذلك.
ولأن العلم بالله وبرسوله # وبشرعه شامل هذا الشمول؛ فإنك لا تجد المسلم الذي أخذ حظَّه منه يأتي إلى علم من العلوم الدنيوية ـ علوم الطبيعة أو الاجتماع أو التاريخ أو النفس ـ وهو خالي الوفاض، بل تجده واضعاً لحقائقها المفردة في ذلك الإطار العلمي الرحيب ورابطاً لها به، وناظراً إليها نظرة لا تتسنَّى لمن عرفها معزولة عن خالقها والرسالة التي أرسل بها رسوله #.
قلت لنفسي وأنا أحاول أن أنهي هذا المقال: لقد فتحت على نفسك باباً لا تستغرقه الآلاف من أمثال مقالاتك هذه. ثم عزَّيت نفسي بأن ما نكتب إنما هو إشارات، وأن اللبيب بالإشارة يفهم. وأحسبك ـ قارئي العزيز ـ من أولئك الألبَّاء.
________________________________________
[1] Aldous Huxley, The Perennial Philosophy, Happer Clophon Books, New York, 1944.
[2] تفسير ابن كثير، عند تفسير قوله ـ تعالى ـ : {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٨٢].
[3] الآداب الشرعية.
almosleh.com - فضيلة الشيخ خالد بن عبدالله المصلح.